كلمة الدكتور محمد طي حول الأخلاق الوضعي و القانون

محمد طی

 

 

طبعا أنا بحثي ليس إسلاميا أتكلم عن القانون الوضعي و عن الأخلاق

الأخلاق و القانون ينتميان إلى نظام ما يجب أن يكون إلى نظام معياري لكنهما يختلفان في بعض الجوانب سنبينها تدريجيا.

طبعا القاعدة القانونية هي قاعدة الزامية تحت طائلة الجزاء المحددة المسبقة التي تمارسه جهة رسمية و الأخلاق هي عبارة عن قاعدة إلزامية تحت طائلة الجزاء العشوائي الذي يمكن أن يمارسه المجتمع بشكل غير محدد.

 

اما بخصوص ولادة القواعد المعيارية القانونية و الأخلاقية، القانون إما أن تضعه سلطة و إما أن يتبلور تدريجيا داخل المجتمع. ما تضعه السلطة، هناك مدرستان؛ مدرسة تؤمن بأن وضع القانون ليس عملا إراديا و مدرسة تؤمن بأنه عمل إرادي. المدارس التي تؤمن بأن وضع القانون ليس عملا إراديا ما يخضع للإرادة بل هو نتائج لمعطيات تاريخية طبعا لا نفصلها، لمعطيات نفسية، لمعطيات اجتماعية، سيكولوجية، لمعطيات مختلفة.

 

أما المدارس الإرادية فتقول ان القانون تضعه الإرادة، إرادة المشرع، و تنفذه الإرادة، إرادة القاضي، القاضي هو مفهوم دور المشرع. لكن القاضي عندما يعطي تفسيرا معينا لنص قانوني يقوم قد اختار هذا المعنى من بين معان متعددة، فاختياره هو عملية إرادية.

 

هناك طبعا اتجاه محجن يعني يجمع بين اتجاهين، يقول ان هنالك تأثيرا للعوامل الاجتماعية و الاقتصادية و التاريخية و ما إليها، و هذه تؤثر في إرادة المشترع فلا يقوم طريق اليد. ثم إن اللوبيات و الاحزاب و الكتل السياسية تؤثر في إرادة المشترع فلا يقوم عند ذلك طريق اليد. فإذن هذا الاتجاه على ما يبدو هو اتجاه أكثر رصانة من الاتجاهين السابقة.

 

يوجد نوع من القانون تكرسه السلطة، لا تضعه. هو الأعراف. الأعراف كما يقول أحدهم، ينشأ كما ينشأ الدرب في الأرض الزراعية. بمعنى أن الناس يسلكونه ذهابا و إيابا، مدراراً و تكراراً إلى أن أن يظهر الطريق. نحن طبعا نعارض و نقول لابد من بداية ما في أي عرف من الأعراف قد يكون يتفق شخص مع شخص آخر، نجار مثلا مع صبي يريد أن يعمل عنده اتفقوا على الأجر و على التعليم، و قلده نجار آخر و ثالث ورابع إلى أن أصبح هنالك عرف.

 

في مجال قانون العام مثلا يمكن للسلطة إذ أعطيت صلاحية، تخويلا لتقوم بعمل فقد تمتنع عن القيام به على طول بالتالي يصبح امتناع عرفا سلبيا و هكذا إذا المسألة ليست مسألة نشوء على طريقة النشوء الذاتي، لا! هنالك لكل أمر بداية.

 

في مسائل القواعد الأخلاقية يذهب الكثير من علماء الأخلاق، من الفلاسفة إلى أن الأخلاق جاءت نتيجة العادة منهم أرسطو و منهم عدد كبير من المفكرين. لكن نحن نقول باختصار حتى لو كانت العادة تكرس القاعدة الأخلاقية، لا تخلقها، لابد من نقطة بداية، و نقطة بداية يجب أن يكون أحد الناس قد وضع هذه القاعدة و على المدى الطويل نسي الناس أساس وضعها فأصبحت عرفا. و أنا أقول ربما أحد الأنبياء أو سلاسل الأنبياء المعروفين هم الذين وضعوا هذه القواعد و كثير طبعا من المفكرين حتى الغربيين يقولون هذا القول. بالتالي لابد من بداية و هذه بداية أنا أرجح أن الأديان قد وضعتها، و بالتالي أصبحت قواعد أخلاقية طبعا طرأ عليها التحريف أو ما الى ذلك، لكن الأساس هو أن نبيا أو الأنبياء وضعوا هذه القواعد. نحن طبعا لا نفصل كثيرا في هذا المثال.

 

هل هنالك من غاية و جدوى للقانون و للأخلاق أم أن القانون وضع دون غاية؟ إذا وضع القانون دون غاية فهو عمل عبثي، فلابد له من غاية. يعني كمثال فإن قانون الجزاء طبعا يحد من ارتكاب الجرائم و القانون الدستوري ينظم العمل داخل الدولة بين السلطات وبين السلطات و الناس و ما إليها.

 

إذا هنالك غاية للقانون فإذا حقق القانون غايته يكون فاعلا و ذا جدوى و إذا لم يحقق هذه الغاية، يعني مثلا إذا سنينا قانونا كي نطيل عمر الحكومات في البلدان ذات النظام برلماني، حيث الحكومات يمكن ألا تعيش طويلا، فنجعل من الصعب إسقاط الحكومة. إذا طرحت الثقة، نشترط شروطه مشددة. بالتالي هذا الأمر يطيل عمر الحكومة فإذا أطلنا عمر الحكومة فعليا، يكون ذا جدوى و إذا لم يطل عمر الحكومة فيكون بدون جدوى. كما كان اليوم نقاش طويل عريض حول عقوبة الإعدام أنه لا تجدي نفعا. طبعا هذا كلام أيديولوجي و ليس كلاما علميا.

 

أما القواعد الأخلاقية فحسب ما يقال عند بعضهم لا غاية لها، مثلا من يجب أن يقوم بعمل الأخلاقي يجب ألا يتوخى غاية، أنا أقول أنلا يتوخى غاية شخصية، يجب أن يتوخى أي غاية هذا كلام غير صحيح، بل يجب أن يتوخى غاية ربما تكون تيسير الحياة في المجتمع، ربما توفير السعادة للناس إلى آخره فكيف يكون بدون غاية، فهو عمل عبثي هذا أمر غير صحيح.

 

بالنسبة لصلاحية القواعد المعيارية. قواعد المعيارية ليس عملا يمكن ملاحظته ليس واقعا و ليست من الأمور البرهانية، بالتالي صلاحيتها هي عين وجودها. يعني إذا كانت صالحة و سارية المفعول و مطبقة و الناس يحترمونها فهي صالحة. كرخصة البناء مثلا تعطى مدة معينة عندما انتهت المدة تفقد قيمتها و تفقد صلاحيتها. فإذن الصلاحية في مجال القواعد المعيارية هي عين الوجود كما يقول ...هي ليست موجودة إلا لأنها صالحة. مثلا إذا تكلمنا عن قانون حمورابي هو قانون، لكن هل هو صالح؟ ليس صالحا و هو غير موجود. هذا يسري الأمر في القواعد القانونية و القواعد الحقوقية.

 

أين تأتي الصلاحية؟ طبعا نظريات مختلفة. منهم من يردها إلى عوامل تاريخية، اجتماعية، سيكولوجية أو ما إلى ذلك.

 

بالنسبة إلى القاعدة الأخلاقية تكون صالحة إذا تم الاعتراف بها، إذا الناس اعتبروا أن هذه القاعدة يجب الالتزام بها، طبعا ليس من الضرورة أن يكون التزموا بها، هنا يوجد مجال صراع بين الميول و بين الضمير، بين الميول و بين القواعد الأخلاقية لكن إذا اعترفوا بأن هذا من القواعد إلزامية، قواعد الخير إلى آخره فعند ذلك تكون صالحة.

 

مسألة إلزامية في القواعد القانونية رأي سائد أنه هي إلزامية تحت طائلة الجزاء جزاء. الجزاء قد يكون سلبيا و قد يكون إيجابيا. يعني قد يكون إيجابيا بمعنى الموافقة و المباركة و قد يكون سلبيا بمعنى العقوبة.

 

اما في القاعدة الأخلاقية مدى إلزامية القاعدة الأخلاقية. هنا يجب أن نميز حسب وجهة نظري بين القواعد الأخلاقية التي لها علاقة بثقة الناس، بالفاعل، و قواعد تتعلق بالإحسان. الأمر يختلف فيما له علاقة بثقة الناس فأنت لا تعطي الناس شيئا، أن تكون صادقا، أمينا، و... في هذه الحالة إذا لم تلتزم تفقد ثقة الناس. أما في مجال الإحسان فأي مدى الوجوب، الإنسانية لأي مدى، فأنا مثلا قد أساعد فقيرا، أعطيه شيئا من المال و قد أعطيه أكثر فأكثر و أكثر حتى أغنيه ما هو المطلوب؟ يعني درجة الإنسانية أين تتوقف؟ أو أنا أساعد شخصا متعرض لخطر فهل مثلا يعني أمنحه شيئا من المساعدة أو أن أضحي بنفسي من أجله؟ هنا طبعا يجب تحديد ما هو فعلا درجة الإلزامية. أنا أقول الحد الأدنى الإلزامي ثم تخف الإلزامية وصولا إلى الحد الأقصى فتصبح عند ذلك اختيارية، فإذا يجب التمييز في هذا المجال.

 

العلاقة داخل كل نظام من هذين النظامين الذين تحدثنا عنهما. العلاقة بين القواعد القانونية، هل القواعد القانونية مرتبة واحدة أو هي مراتب؟ طبعا من المعروف عند علماء القانون أن هناك مراتب و أن هناك قواعد أسمى من قواعد، يعني وصولا إلى الدستور. هناك قواعد أسمى، عندما تقضي قاعدة، تخول قاعدة ما، تخول جهة أن تضع قاعدة، مثلا أن تخول السلطة التأسيسية التي تتابع الدستور، تخول البرلمان أن يضع قوانين و البرلمان و الحكومة أن تضع لوائح و مراسيم، فتكون القاعدة المخولة التي سمحت، هي قاعدة أسمى من القاعدة التي تصدر بناءها عليها. يعني القاعدة الصادرة عن الهيئة التأسيسية، هي أسمي من القاعدة التي يسنها مجلس النواب.

 

فإذن هذه العلاقة بين قاعدة عليا تسمح بوضع قاعدة دنيا، هذه يسميها بعض المفكرين الآخرين علاقة دينامية، علاقة حركية، بمعني أن تؤدي إلى خلق جديد في مجال القواعد القانونية. يعني قد تضع السلطة المخولة قاعدة لم تكن موجودة في السابق. هذه العلاقة سميت دينامية.

 

أيضا هنالك نوع من العلاقة الأخرى هي تميز القواعد الحقوقية أيضا، عندما تأتي قاعدة و يراد تفصيلها يعني القاعدة موجودة و التفصيل لا يأتي بشيء جديد إنما هو يعالج قاعدة هي موجودة. فالقاعدة هي أصلية أسمى من القاعدة التي تأتي تفصيلا لها. هذه العلاقة تسمى علاقة سكونية ستاتيكية. فإذن العلاقة القانونية هي علاقة طبعا دينامية و ستاتيكية.

 

في الأخلاق المسئلة تختلف. يمكن تفريع اخلاق من قواعد و من مبادئ. هناك من يعيدها إلى بضعة مبادئ منها القاعدة المسيحية التي تقول أحبب قريبك، بمعنى أحبه و ساعده، لا تضره و تعرضه إلى أي نوع من الإهانة. طبعا هناك من يردها إلى أكثر من ذلك. هنا قواعد اخلاقية عندما تفسر لا يعطى بجديد فإذن علاقة هنا علاقة سكونية لا أكثر و لا أقل.

 

في مجال المحتوى بين القواعد الأخلاقية و القواعد القانونية.

 

القواعد الأخلاقية و القواعد القانونية، قد تختلفان في بعض المجالات و تتفقان و لكن لا تتطبقان. ما تختلفان فيه هي أمور تعود إلى ما يسمي الأمن القانوني أو الأمن القضائي يعني بمعنى أنه مثلا، مسائل مرور الزمن على الحقوق؛ هذا مرور الزمن على الحقوق كما نسميه في لبنان، هو مكسب أو مسقط للحق؟ يعني إذا تخليت عن مطالبة من حق مدة من الزمن يسقط هذا الحق و إذا أنت تشبثت بحق ما لمدة من الزمن و استطعت الدفاع عنه، فإنه يصبح حقك.

 

هذه المسألة تتعارض مع الأخلاق في هذا الجانب. توجد أيضا مسائل بخصوص الإجراءات. هنالك الأمور يتناقض فيها القانون الوضعي مع الأخلاق. فمثلا عندما تطلب أنواع البينات المحددة لإثبات حق ما؛ مثلا مطلوب في الديون إثبات الكتابة، قرينة كتابية و إذا لم توجد قرينة كتابية فيضيع حقه. فهذه نقطة تضيع الحقوق.

 

و طبعا في أحوال تسقط فيها الدعوة؛ إذا تطاول الزمن، تسقط الدعوة، يسقط حقك. و يوجد أمر، لكن ليس هناك من طلاق بين الحقوق و بين القانون، الحقوق قد تستعيد بالقانون. يمكننا أن نرى محلات يقضي القانون على المحكمة أن تقضي بقواعد العدل.عندما يكون هنالك قانون يقضي بقواعد العدل. هذه مسألة قانونية و هي أخلاقية.

 

عندما مثلا تقضي بالعودة إلى قانون الطبيعي، أيضا هذا أقرب إلى الأخلاق من القانون الوضعي. يعني لا يمكن إذا فصله نهائيا، أنا أقول أخلاق منها جانب يقوم إلى جانب القانون و يتعلق بالثقة و منها جانب فوق القانون لأنه يبدأ حده الأدنى من حيث حد الاقصى للقانون ثم يرتفع عن القانون يسمو على القانون فإذا بمطلق الأحوال الأخلاق أوسع من القانون و هي في جزئها الهام، أسمى من القانون.